ابن الجوزي

317

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

سأل وقال : والله ما أعرفك ، فمن أنت ؟ قال : أنا قيس بن سعد [ 1 ] / بن عبادة . قال 130 / أالجهنيّ : ما أعرفني بنسبك ، وابتاع منه خمس جزائر ، كل جزور بوسق من تمر . ثم قال : فأشهد لي فأشهد له نفرا من الأنصار والمهاجرين ، فكان فيمن أشهد عمر بن الخطاب . فقال عمر : لا أشهد هذا بدين ولا مال له ، إنما المال لأبيه . فقال الجهنيّ [ 2 ] : ما كان سعد ليمني بابنه في شقة من تمر وأرى وجها حسنا ، وفعلا شريفا . فكان بين عمر وقيس كلام حتى أغلظ لقيس ، وأخذ الجزر فنحرها لهم في مواطن ثلاث كل يوم جزورا ، فلما كان اليوم الرابع نهاه أميره فقال : أتريد أن تخفر ذمتك ولا مال لك . قال محمد : فحدثني محمد بن يحيى ، عن سهل ، عن أبيه ، عن رافع بن خديج قال : أقبل أبو عبيدة ومعه عمر ، فقال : عزمت عليك أن لا تتجر ، أتريد أن تخفر ذمتك فقال قيس : يا أبا عبيدة ، أترى أبا ثابت يقضي ديون الناس ، ويحمل الكل ، ويطعم في المجاعة ، لا يقضي عني شقة من تمر لقوم مجاهدين في سبيل الله . فكان أبو عبيدة يلين له ، وجعل يقول له : اعزم فعزم عليه ، وأبى أن ينحر وبقيت جزوران ، فقدم بها قيس المدينة ظهرا يتعاقبون عليها ، وبلغ سعدا ما أصاب القوم من المجاعة فقال : إن يكن قيس كما أعرف فينحر للقوم ، فلما قدم قيس لقيه سعد فقال : ما صنعت في القوم ؟ قال : نحرت . قال : أصبت ، ثم ما ذا ؟ قال : نحرت . قال : أصبت ، ثم ما ذا ؟ قال : نحرت . قال : أصبت ، ثم ما ذا ؟ قال : نهيت . قال : من نهاك ؟ قال : أبو عبيدة أميري . قال : ولم ؟ قال : زعم أنه لا مال لي ، وإنما المال لك [ 3 ] ، فقلت : أبي يقضي عن الأباعد ، ويحمل الكل ، ويطعم في المجاعة ، فلا يصنع هذا بي . قال : فلك أربع حوائط أدناها حائط تحمل خمسين وسقا . قال : وقدم البدوي مع قيس فأوفاه وسقه وحمله وكساه ، فبلغ ذلك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من فعل قيس ، فقال : « إنه في بيت جود » . قال علماء السير : مرض قيس بن سعد واستبطأ إخوانه في العيادة ، فقيل له : إنهم

--> [ 1 ] « بن قيس » : ساقط من ت . [ 2 ] في الأصل : « فقال سعد » . [ 3 ] في الأصل : « الملك لك » .